خليل الصفدي
309
أعيان العصر وأعوان النصر
1910 - نجم الحطيني « 1 » اسمه أيوب بن أحمد ، وإنما اشتهر بالنجيم الحطيني ، وحطين - بكسر الحاء المهملة ، وتشديد الطاء المهملة ، وبعدها ياء ونون - . كان أفّاكا ، جريئا على الأهوال فتّاكا ، لا يقدّم خوفا من خالق ولا مخلوق ، ولا يبالي بعد إدراك غايته أهو سابق أم مسبوق ، يفتك نهارا جهارا ، وإذا نزل بدار قوم رحل بخزية وترك عارا ، ما حلّ في ناحية إلا ملأها فجورا ، وكان له النّقص فيها زائرا ومزورا ، يفرّ من الشام إلى مصر ، ويخفر الذمة ويخون الإصر . ولم يزل يذهب ويحور ، ويظلم نفسه وغيره ويجور ، ويفوت كلّ زرية ودمه ، كما يقال يفور ، حتى وقع بأعماله ، وقطع الدهر بخيبة آماله : ( السريع ) . وساقه البغي إلى صرعة * للحين لم تخطر على باله وكان المذكور شيطانا من الشياطين ، وإبليسا من الأباليس ، يسفك الدماء ، ولا يقف عند خطة ، أول ما اتصل بخدمة الشيخ شمس الدين محمّد بن أبي طالب شيخ الربوة - المقدّم ذكره في المحمّدين - ، وكان الشيخ شمس الدين شيخ الخانقاه التي بحطين ، فاتفق أن جاء إليهم فقير بات في الخانقاه ، فرأى نجيم هذا معه ذهبا ، فلما كان في الليل نبهه نجيم ، وقال له : قم ، فقد طلع الصباح ، فقام فوجد الليل باقيا ، فقال : لا عليك ، أنا أخفرك حتى تطلع من هذا الوادي ، فخرج به ، وعرّج عن الطريق وذبحه ، وأخذ ما معه ، وجرى لشيخه مع كراي نائب صفد ما ذكرته في ترجمته ، وهرب نجيم إلى الديار المصرية ، ودخل إلى الصعيد ، واتصل ببعض الولاة ، وجرت له هناك واقعة أخرى من هذا النمط ، حدّثني بها الشيخ شمس الدين بن الأكفاني ، وأنسيت أنا كيفيتها . ثم إنه حضر بعد ذلك إلى الشام ، فوجد شيخه الشيخ شمس الدين شيخ الربوة بدمشق ، وأراد أن يعود إلى صحبته ، فأبعده ولم يقرّبه ، ولا أراه وجها لما تقدّم منه . وحدّثني الشيخ شمس الدين بن أبي طالب قال : كنت أتحقق جرأته وإقدامه ، وكنت أخافه على نفسه وأحذره ، فما أنام في مقام الربوة حتى أتحصّن ، وأحكم غلق الأبواب ، فأكون في بعض الليالي نائما ، فما أشعر به إلا وقد أنبهني من نومي بإزعاج ، وبيده سكين ويقول لي : يا أفخاذ الغنمة ، أو يا أفخاذ النعجة ، إيش أعمل بك الساعة ؟ فأقول له : اتق اللّه وخفه ، وأترفّق له وأتلطف ، حتى يدعني ويمضي ، ومن رأى الربوة وحصانتها ، تعجّب من فعل المذكور .
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 6 / 2410 .